عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

110

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب الثاني والثلاثون في التجارة أي بنى ، ولو أن التجارة ليست بحرفة يمكن أن يقال لها صناعة مطلقا إلا أنه إذا نظرت إلى الحقيقة فإن رسومها مثل رسوم المحترفين ، ويقول الأذكياء إن أصل التجارة مبنى « 1 » على الجهل ، وفروعها على العقل ، كما قالوا ( لولا الجهال لهلك الرجال ) ؛ يعنى لو لم يكن الجهال لفسدت الدنيا ، والمقصود من هذا الكلام أن التجار ، طمعا في زيادة المال ، يحملون الأشياء من الشرق إلى الغرب ، ويخاطرون بأرواحهم في الجبال والبحار ولا يخشون اللص والصعلوك ، ولا يخافون الحيوان المفترس للناس ، ولا الطريق غير المأمون ، ويوصلون لأهل المغرب نعمة المشرق ، ولأهل المشرق نعمة المغرب ، ليكون بهم تدبير عمران الدنيا ، وهذا لا يكون بغير التجارة ، ويقوم بمثل هذه الأعمال الخطيرة من تكون عين عقله مغمضة . والتجارة نوعان ، وكلاهما مخاطرة : أحدهما المعاملة والآخر المسافرة ؛ وتكون المعاملة للمقيمين إذ يشترون المتاع الكاسد طمعا في الزيادة ، وهذا مخاطرة بالمال ، ويلزم لذلك رجل جرىء وبعيد النظر يخوله قلبه أن يشترى شيئا كاسدا طمعا في الزيادة ، وقد ذكرت ما هي المسافرة ، وعلى كلا الوجهين يجب أن يكون التاجر جريئا غير وجل على المال والنفس ، وينبغي أن يكون أمينا ، ولا يرغب في إضرار الناس من أجل نفعه ، ولا يطلب نكاية الخلق طمعا في ربحه ، ويعامل من هم دونه ، فإذا تعامل مع أكبر منه فليتعامل مع شخص ذي أمانة وديانة ومروءة ، ويحترز من المخادعين ، ولا يتعامل مع قوم لا بصارة لهم في المتاع ، حتى يأمن دق الباب ، ولا يتعامل مع قليلي البضاعة والسفهاء ، ولا يعامل الأصدقاء الحميمين ، وإذا فعل فليقطع الطمع من الربح حتى لا تفسد الصداقة ، فما أكثر ما فسدت الصداقة بسبب قليل من الربح والخسارة ، ولا يتعامل بالنسبة طمعا في الزيادة ، إذ كثيرا ما تثمر الزيادة النقصان ، ولا يدقق في التوافه ؛ لأن التدقيق في التوافه ضرر بليغ كما أقول :

--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : موضوع .